الأنوثة والذّكورة في سراديب التّربية العربيّة

لا يزال العالم العربيّ يرزح حتّى يومنا هذا تحت وطأة الأفكار الموروثة من الماضي والتّاريخ، ويفخر بأفكار، أقلّ ما يقال عنها، عنصريّة وتمييزيّة وإقصائيّة، تميّز بين النّاس على أساس دينهم/ن وعرقهم/ن وجنسهم/ن ولونهم/ن ومنطقتهم/ن، وهم يستبسلون للدّفاع عن هذه الأفكار المقيتة الّتي عفا عليها الزّمن، ويتلوّنون بأبشع ألوان النّفاق في كلّ مكان على الشّاشات ومواقع التّواصل الاجتماعيّ ويدافعون عن هذه الأفكار الّتي تحطّ من قيمة الإنسان وتشيطن وجوده.

الثقافة القَدَرية

الغريب في الأمر هو مدى انتشار هذه القناعات عند النّاس، فهم مغسولون دماغيّاً، لا يحاول الواحد منهم مساءلة أدنى فكرة تربّى عليها أو ورثها من العائلة والدّين والمجتمع، فيعيشون ضمن ثقافة يمكن أن نطلق عليها “ثقافة قدريّة” أو “ثقافة مستسلمة للواقع”، فلا يغيّرون شيئاً بل يستسلمون للواقع بكلّ تفاصيله، فشعارهم/ن السّائد: “كلّ ما فات قد مات، وكلّ ما هو آتٍ آت… ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العظيم”. لم تنتج هذه الشّعوب منذ القرن السّابع الميلاديّ شيئاً يذكر، بل تراها تجترّ أمجاد الماضي وتتشدّق بأفكار بهلوانيّة تحطّ من قيمة الإنسان؛ ذكراً أم أنثى، وتستهلك كلّ منجزات الحضارة الإنسانيّة الحديثة وتصدّر إلى العالم أقمأ أنواع العنف والتّطرّف والجهل والاستعلاء الدّينيّ، وتطلب من الآخر احترام هذه القناعات القائمة على أساس إقصاء الآخر ووأده وجوديّاً.

أضف إلى أّنّ الشّيزوفيرينيا الّتي يعيش فيها هذا المجتمع، تصوّر الظّالم على أنّه بطل، والقاتل على أنّه عظيم، والمؤذي صاحب السّلوك القويم. إلّا أنّ من يحبّ هو آثم، ومن يتحدّث عن الخير هو أبله ومسكين، ومن ينادي باحترام حرّيّة الإنسان وحقّه في الاختلاف شيطان. إنّ ثقافة من هذا القبيل، يتغلغل حضور الخطاب الدّينيّ في أعماقها، لا يمكنها أنّ تنتج إلّا أشكالاً هلاميّة من البشر. وهنا يُطرَح السّؤال: ما العلاقة بين عنوان هذا المقال “الأنوثة والذّكورة في سراديب التّربية العربيّة” وهذه المقدّمة الّتي تتحدّث عن الثّقافة العربيّة بنوع كهذا من الإدانة؟

قيمة الإنسان؛ ذكراً أم أنثى، وتستهلك كلّ منجزات الحضارة الإنسانيّة الحديثة وتصدّر إلى العالم أقمأ أنواع العنف والتّطرّف والجهل والاستعلاء الدّينيّ

هذه المقالة لا تقصد إدانة الواقع العربيّ؛ كون صاحب المقال هو عربيّ في الدّرجة الأولى، وهو عندما يمدّ المشرط إلى الواقع يمدّه إلى جسده أيضاً كونه يقسو على هذا الواقع في نفسه قبل أيّ شيء. لكنّ المشكلة أنّ المتعاملين مع العلوم الإنسانيّة درجت لديهم/ن عادة تفسير مشكلات المجتمع تفسيراً مبتوراً يفصل الجزء عن سياقه الكلّيّ والشّامل، لذلك صوّروا لنا المشكلات بارتباطها بجزء واحد فحسب. إلّا أنّه لا يمكننا الحديث عن التّربية في مناخ وثقافة تقوم معاييرهما على أساس التّناقض القائم بين قيم الحقّ والخير والعدل وقيم الظّلم والنّفاق واللّاعدالة. فعندما نريد أن نشرّح عمق المشروع التّربويّ العربيّ لا ينبغي لنا أن نهمل على الإطلاق ارتباطه بالثّقافة السّائدة أبداً؛ نظراً لكونها تصقله بطابعها الخاصّ وتحيكه على هواها. وهذا هو هدف المقال الرّئيس؛ عدم تجزيء المشكلات وربطها بالثّقافة العامّة. فقد درستُ علم الاجتماع، وعاينتُ العديد من الدّراسات الّتي كتبت في التّربية والّتي تعزو أسباب فشل التّربية إلى الأسرة فقط أو المدرسة فقط أو بعض من مؤسّسات التّنشئة لا غير. إلّا أنّ المشروع التّربوي العربيّ الّذي أنيطت به مهمّة تشكيل الإنسان وصقله وإعداده للانطلاق للحياة، قد انحرف عن مساره، وقدّم لنا صورة لا تختلف عن صورة الثّقافة السّائدة على الاطلاق، فتراه يعزّزها ويدعم فكرتها، ويعيد إنتاج مقولاتها في الأولاد، الّذين سيخرجون لنا بعد فترة كوكلاء لهذا الإطار الثّقافيّ؛ فهم/ن من تقع عليهم مهمّة إعادة إنتاج هذه الثّقافة ومعاييرها المتضاربة. لذلك لا بدّ أن نفنّد هذه الثّقافة بشيء من التّفصيل.

العنف باعتباره أساسًا موجِّهًا
© صلاح طاهر

إنّ التّربية العربيّة تقوم غالباً على أساس العنف والقسر والقهر للأولاد؛ وهذا العنف هو الموجّه الرّئيس لمسار هذه التّربية، حيث نتلمّس حضور خطابه في جميع مفاصل المشروع التّربويّ العربيّ؛ فإذا ما حلّلنا الأمثال الشّعبيّة – باعتبارها جزءاً مهمّاً من الثّقافة السّائدة ومؤشّراً لا يُمكِن تجاهله على الإطلاق- يمكننا أن نرى وابلاً من الأمثال العنيفة الّتي تُعتمَد في تربية الأطفال من قبيل: “يلّي ما بيقسّي قلبه، ما بربّي ولده”، “أضرب ولدك، وأحسن تأديبه”، “العصا من الجنّة”، و”العصا لمن عصى”، وفي المصريّة “اكسر للعيل ضلع، بيطلعله ضلعين”. هذه الأمثال هي محصلة تلك الثّقافة الّتي تعلي العنف على السّلم، وتنزع من الكائن الإنسانيّ كلّ مقوّمات وجوده كفرد. فحضور هذا العنف في ثقافة كهذه ينفي على الإطلاق حضور أيّ خطاب حداثويّ يناقض معاييرها؛ فالخطاب الحداثويّ لا يقرّ بالعنف بل يعترف بالمساواة بين الأولاد؛ ذكوراً وإناثاً. وهذه الأخيرة قضية شائكة في التّربية العربيّة الكلاسيكيّة. فإضافة إلى كونها تربية عنيفة، هي أيضاً تربية مهووسة بالنّزعات الذّكوريّة، تفتخر بأنّها لم تعد تئد النّساء كما في الماضي وتمارس عليهن ضروباً من الوأد بصيغته الحديثة. ففي مناخ كهذا، تعيش الفتيات حياة أقلّ ما يُقال عنها أنّها حياة تقوم فيها التّربية على الافتخار بالذّكورة والخجل من الأنوثة، إذ تُرَى الأنثى – في وعيها ولا وعيها- آثمة وتمثّل الخطيئة، وترى أنّ من أهمّ أركان الأسرة هو الابن الذّكر؛ فهو يمثّل فحولة الأب في أوجها، كما يمثّل مصدر فخر العائلة فيُكنَّى الرّجل باسم ابنه الذّكر، ويتوسّط اسم الأبناء – ذكوراً وإناثاً- اسم الأب لا الأمّ، وتلغى الأنثى من المعادلة؛ سواء أكانت الأمّ أم الفتاة-الابنة. فكيف إنّ تحدّثنا عن الأدوار الجندريّة؛ فالأسرة العربيّة باعتبارها أحد أهمّ وكلاء الإطار الثّقافيّ كما أشرنا قبل ذلك، تقوم على الفصل ما بين أدوار الذّكور والإناث، وتلقّن أبناءها دروساً لا مثيل لها عن الحفاظ على هذه الأدوار الّتي – باعتقادها- ترفع قيمة الذّكر وتحافظ على شرف الأنثى، نظراً إلى كون الشّرف مرتبطا بشكل أساسيّ بالأنثى، فالذّكر عليه أن يرفع بصوته ويجهر به عالياً، وعلى الأنثى خفض صوتها، فهو مكوّن أساس من مكوّنات أنوثتها. وعلى الذّكر أيضاً أن يعمل خارجاً، وعلى الأنثى أن تكون سيّدة بيتها ومطبخها؛ فلا يمكن أن نرى حضوراً للأنثى في المخيال الشّعبويّ للأمّة العربيّة باعتبارها رائدة فضاء أو عالمة ذرة أو قائدة مهمّة. إنّ الذّكور يتمتّعون أيضاً بصفات اجتماعيّة تختلف عن الصّفات الأنثويّة، ويلقّن الأولاد هذه الصّفات على أنّها حقائق لا تقبل النّقاش، ولا يمكن التّطرّق إليها. فالذّكر هو الواعي-العقلانيّ والأنثى هي العاطفيّة-الانفعاليّة، والذّكر هو الّذي يملك جسده وحقّه في اختيار حياته، أمّا الأنثى فلا حضور لجسدها على الإطلاق ولا تملك الحقّ في امتلاك حياتها وقرارها، فهي تابع لرأي أبيها وأخيها.

تقوم التّربية العربيّة على أساس العنف والقسر والقهر للأولاد؛ وهذا العنف هو الموجّه الرّئيس لمسار هذه التّربية، حيث نتلمّس حضور خطابه في جميع مفاصل المشروع التّربويّ العربيّ

المرأة هي حواء الآثمة دينيًّا

إنّ هذا الفصل الجندريّ الّذي يخدم المنطق البطريركيّ، تقوم الأسرة بتلقينه لأولادها ويعاني كلا الجنسين من تداعياته، لكنّ المعاناة الكبرى تقع على عاتق المرأة أكثر من الرّجل، فهي حواء الآثمة دينيّاً، وهي الّتي تمثّل شرف العائلة، وعليها الحفاظ على هذا الشّرف ما استطاعت إليه سبيلا. فالأنثى لا تستطيع الشّعور بالأمان كالرّجال. فعندما تسير في الشّارع، تكون خصوصيّتها منتهكة من قِبل رجالٍ يتحرّشون بها وينتهكون حقّها في السّير وحيدة. إنّ هؤلاء الشّبّان يتلقّنون هذه الثّقافة في منازلهم ويعبّرون عنها بأشنع الطّرق. فيتعاملون مع الجنس الآخر بطرق غرائزيّة جاهلة وشرهة وحيوانيّة لا تمّت على الإطلاق لأيّ منطق أو فعل إنسانيّ.

واقع الحال، لقد أمضيت جزءاً من وقتي، كدارس لعلم الاجتماع، أحاور الأصدقاء والمعارف والنّاس من حولي – وخاصّةً النّساء منهن- عن مسائل وأحداث يوميّة نمرّ بها في حياتنا. فمن الحوادث النّادرة الّتي أثارت حفيظتي هو حديث إحدى الفتيات عن الحلم بالهرب من محيط الأسرة وعن كمّيّة الاضطهاد الّتي تتعرّض له ضمن الأسرة. إنّ ألم هذه الفتاة والطّريقة الّتي تحدّثت بها عن أملها بالفرار، وكيف كان جسدها يعبّر بألم ويقطر عنفاً كامناً داخلها، لا يزال حاضراً في ذهني ما حييت. إنّني لا استطيع نسيان أيٍّ من تعابير جسدها ووجهها، حيث كانت هذه التّعابير تخبئ حِصصاً من الألم لا تعد ولا تحصى. كانت تردّد: أتمنّى أن أسافر خارجاً لأتحرّر من كلّ أصوات الأعراف الّتي تسكن جسدي وتصيح داخله، كما كانت تحلم أن تقود الدّراجة في الشّارع لكنّ أخاها هو الوحيد الّذي يملك هذا الحقّ نظراً لتفوّقه الجنسيّ. كما تحلم أن تخرج من قفص العائلة ومن وصايتها، ومن كلّ تهديدات الأسرة الّتي تعشّش داخلها إذا ما خدشت شرف الأسرة أو سمعتها. كان جلّ ما تريده هو أن تمسح الماضي وتبدأ حياةً جديدة، وألّا تسمع عبارة أنّها أنثى على الإطلاق، كون هذه العبارة تتردّد أصداؤها داخل جسدها وبدنها ليلَ نهار. لكنّ هذه الفتاة ليست إلّا مثالاً بسيطاً عن ملايين النّساء اللواتي يصرخن يوميّاً ويتلقّين أبشع أنواع العنف الجسديّ والنّفسيّ والجنسيّ والرّمزيّ وغيره الكثير.

مسألة الاستلاب
© ماجدة خطاري

لقد عالج مصطفى حجازيّ هذه المسألة بطريقة تفصيليّة عندما أشار إلى أنّ الاستلاب هو حالة تعاني منها النّساء في العالم العربيّ، وهذا الاستلاب يتجسّد في كونه يبدأ مع الإناث منذ الطّفولة، حيث ترفض النّسوة المعايير الاجتماعيّة الّتي تحطّ من قيمتهن وتفرض عليهن قيوداً لا مجال لحصرها، لكنّهن عاجزات عن التّغيير، ومع مرور الوقت تأتلف كلّ منهنّ مع هذه الحالة التي تصير حالة طبيعيّة وجزءا من وجودهن، فتبدأ النّسوة بالاقتناع بأنّهن أقلّ من الرّجال وأنّ حالتهن هذه أبديّة، وعندما يتزوّجن وينجبن الفتيات، يعدن إنتاج الثّقافة نفسها الّتي تلقّينها في صغرهن عندما يربّين بناتهن ويدافعن عن هذه الثّقافة الّتي حطّت من شأنهنّ بشكل لا هوادة فيه. إنّهن يجتفن أحكام السّلطة –على حدّ تعبير حجازيّ. بمعنى أنّهن يُدخلن إلى جوفهن كلّ هذه العادات والأعراف والثّقافة التّسلطيّة ويقتنعن بها فتصبح محرّكاً أساسيّاً لهنّ.

من أهمّ أركان الأسرة العربية هو الابن الذّكر؛ فهو يمثّل فحولة الأب في أوجها، كما يمثّل مصدر فخر العائلة فيُكنَّى الرّجل باسم ابنه الذّكر، ويتوسّط اسم الأبناء – ذكوراً وإناثاً- اسم الأب لا الأمّ، وتلغى الأنثى من المعادلة

من الحقّ أنّ نذكر أنّه رغم كون النّساء الضّحيّة الكبرى في هذه الثّقافة، إلّا أنّ الذّكور أيضاً هم ضحاياها، وإن كانوا يتمتّعون بمواقع أفضل. فثقافة من هذا القبيل تجبر الذّكور على الخروج من المنزل من الصّباح حتّى المساء للعمل والإنتاج والنّفقة، وتجعل النّساء غير منتجات ومستهلكات، وتلقي بثقلها على أكتاف الرّجال، وتطلب منهم مستويات يكاد يصعب على فرد بعينه إنجازها، كونها تلغى إمكان المشاركة بين الزّوجين وتميّز بينهما وتجعل علاقتهما علاقة استعلائيّة؛ يتصدّر فيها أحد الطّرفين المشهد ويبرز فيها الطّرف الآخر باعتباره عبداً وجارياً/ةً. إنّ ثقافة كهذه، وتربية كهذه، تشوّهان وجودنا الإنسانيّ؛ ذكوراً وإناثاً، وتسيئان إلى كينونتنا وتضربان بعرض الحائط إمكان قيام علاقة صحّيّة بين الجنسين، بل تشيطنانها وتغرّب كلّ منهما عن الآخر، وتزودهما تصوّرات أحدهما عن الآخر، أقلّ ما يقال عنها إنّها غير إنسانيّة. فنرى النّسوة يتهامزن في سرّهن أنّ الرّجال غير صالحين للعلاقات ومنافقون وخائنون وبلا أمانة، ويُطنب الرّجال في وصف النّساء بأبشع النّعوت؛ فهنّ الماكرات والسّاحرات والملحّات وناقصات العقل والنّكديات وغير المتّزنات واللّواتي لا يركنّ لرأيٍ ما، ودائماً مزاجيات.

نعم، لقد شوّهت هذه الثّقافة تصوّراتنا، بعضنا عن بعض، وجعلت هذه التّصوّرات بمثابة حقائق لا يمكن دحضها بسهولة؛ كونها متجذّرة في موروثنا الثّقافيّ ومخيالنا الشّعبيّ، وأصبح إمكان التّفكير في شيء يخالفها ضرباً من ضروب الاستحالة. فهذه الثّقافة، الّتي تلقّيناها في تربيتنا، قدّمت نفسها على أنّها ثقافة أبديّة لا يُمكن نقدها أو إعادة النّظر فيها، كونها منتشرة بين النّاس، وانتشار ثقافة ما هو دليل صحّتها. لكنّ التّاريخ يعلّمنا أنّ من أهمّ عقبات الفكر العلميّ هو الانتشار؛ فكم من ثقافة انتشرت لقرون من الزّمن وبعدها أُثبِت عدم جدواها! كم من أناس قُتلوا في العصور الوسطى في محاولة خدمة أيديولوجيا دينيّة ما، ومع تشكّل مرحلة الحداثة الّتي دشّنها الغرب في أوروبا، اكتشفنا شناعة هذه الممارسات والأيديولوجيّات وكذبها!

© مالك نجمي

لقد كان لسيمون دو بوفوار أن تعلن في كتابها الجنس الآخر أنّ المرأة لا تولد امرأة بل تصبح كذلك. فقد قصدت بهذه العبارة أنّ الصّفات الأنثويّة تُشكّل من قبل المجتمع وأنّ فكرة الأنوثة هي فكرة اجتماعيّة لا بيولوجيّة، فلم تولد النّساء أقلّ من الرّجال من النّاحية البيولوجيّة، ولم تقرّ البيولوجيا أنّه يجب عليهن خفض أصواتهنّ، ولم تقرّ أيضاً أنّ على الرّجال أن يجهروا بأصواتهم عالياً أو أنّ الشّرف يتمثّل في عضو المرأة التّناسليّ. إنّ هذه الأفكار البهلوانيّة فرضها المجتمع وأعرافه والمنطق البطريركيّ التّسلّطيّ الّذي تعبّر عنه هذه الثّقافة، وهذه الأفكار هي أفكار استعلائيّة إقصائيّة حاقدة وكارهة ونافرة تجعل وجودنا الإنسانيّ مُثقَلاً بالكراهيّة والحقد والتّمييز.

إنّ مقولة دو بوفوار كانت قد دحضت مقولة سيغموند فرويد الّذي كان عالمَ نفسٍ ذائع الصّيت، لكنّه لم يستطع مساءلة جزء كبير من أفكاره بل كرّر الثّقافة الّتي تعلّمها دون نقاش، حيث عدّ المرأة جنساً ناقصاً لا يُمكنها أن تصل إلى الرّجل، فلم يخالف بذلك المنطق السّائد في الوعي الجمعيّ، بل عزّزه وكان يشير إليه بمقولته الشّهيرة: البيولوجيا هي القدر. لكنّ ما هو هذا القدر الّذي يجعل من جنس خادمًا لجنس آخر فقط لأنّه ولد هكذا؟ هل هذه الفكرة إنسانيّة أو تمتّ إلى المنطق بصلة؟

في الاستلاب تبدأ النّسوة بالاقتناع بأنّهن أقلّ من الرّجال وبأنّ حالتهن هذه أبديّة، وعندما يتزوّجن وينجبن الفتيات، يُعدن إنتاج الثّقافة نفسها الّتي تلقّينها في صغرهن عندما يربّين بناتهن ويدافعن عن هذه الثّقافة الّتي حطّت من شأنهنّ

الحاجة إلى مراجعة نقدية

إنّ عالمنا اليوم بحاجة ماسة إلى مراجعات نقديّة وإعادة نظر شموليّة بكلّ الأفكار الّتي تربّينا عليها، وخاصّة ما يرتبط منها بالذّكورة والأنوثة، لأنّ هذه المراجعات ستسهم، دون أدنى شكّ، في بناء إنساننا العربيّ السّليم الّذي لا يعجّ عقله بتصوّرات مشيطنة عن الجنس الآخر، والّذي لا ينظر إلى الآخر باعتباره كائناً فضائيّاً، إنّما باعتباره إنسانا مساويا له. للوصول إلى ذلك ينبغي أن نبدأ من غرف نومنا ومن أُسرنا ومن نظمنا التّربويّة ومدارسنا وإعلامنا. لا بدّ لنا أن نفكّر في إعادة الاعتبار إلى وجودنا الإنسانيّ وذلك من خلال فهم كلّ منّا الآخر والانفتاح عليه بعقل واعٍ وبفكر نيّر، متحرّر من كلّ الشّوائب العنيفة والتّمييزيّة والاستعلائيّة الموروثة من تربيتنا وأعرافنا الّتي بدأت السّاعة لتغييرها والتّحرّر منها ما استطعنا، آملاً بعالم رحب يجتمع فيه النّاس معاً دون تفرقة؛ على اختلاف أجناسهم/ن وأديانهم/ن وألوانهم/ن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.