إيغون شيلا والجسد باعتباره حالة شغب روحي

عاش النمساوي إيغون شيلا (1890 ــ 1918) حياته على عجل. لذلك يبدو أنه رسم وهو في حالة هروب من المجتمع ومن نبوءة موته المبكر. هذا ما دفعه إلى أن يمس اشد المواقع التي يتكتم عليها الإنسان حساسية: جسده. كانت الحياة القصيرة التي عاشها عبارة عن رحلة في أجساد النساء الصغيرات اللواتي شغف برسمهن بانفعال، مطارَدا بشهوات لم يتمكن من اخفائها. بل كانت عظمته تكمن في قدرته على أن يستخرج من الرسم أقصى طاقة للتعبير عن تلك الشهوات.
الاختراق الذي أحدثه شيلا

لم يكن إيغون شيلا رساما اباحيا كما أشيع من حوله، وكان ذلك سببا في توجيه لعنة المجتمع إليه وتعرضه لمشكلات كادت أن تؤدي به إلى السجن. محاولته الجسورة تمثل نوعا من الاختراق لما توقع أن الرسم قادر على فعله ولم يفعله. ذلك الجمال الذي لا يمكن أن تكشف عنه الصورة حين يكون الجسد الانثوي ماثلا أمامنا، وهو جمال لا يكمن في الجسد نفسه بل في ما يولّده النظر إليه من رغبة في الغوص فيه واستخراج اللقى النفيسة التي هي مواقع السحر الخفي التي تشد إليه وتضفي على المتعة الحسية خيال الاكتشاف. لقد فرش شيلا خرائط الجسد على مائدة التوق إلى البحث عن الكنوز.

© ايغون شيلا

أطلق شيلا موسيقى الخلق حين اجتاز منطقة الوصف التي غالبا ما يقضي الرسامون زمنا طويلا فيها من أجل التعرف إلى أسرار الرسم، فيضيع الكثيرون فيها إمّا كسلًا وإمّا تلذذا. لقد استل الشاب وترا ضائعا ليعزف عليه موسيقاه المتشنجة والحزينة التي لم يتسلّ بها مثقفو عصره. وقد نجد في هذا ما يفسر أنه تفوق على رامبرانت في عدد الرسوم التي رسمها لوجهه. كان يسعى إلى التعرف على نفسه وهو يجتاز المناطق الحسية والروحية التي يتشكل بتراكمها جسدُ المرأة. 

لقد تمكن شيلا من العري الفني. لم تكن تلك مشكلته التي يجب أن يُحاسَب عليها. فالعري كان تقليدا فنيا عرفه الغرب منذ الاغريق. ولو أن شيلا رسم نساء عاريات لما احتج المجتمع، غير أنه اخترق سطح العري ليبحث عن مواقع شهوة الجسد العاري التي تتحكم بانفعالاته التي لا يمكن التنبؤ بمصائرها. ومثلما كانت صرخة مونخ لا تشبه أية صرخة ضجر أخرى ولا تذكّر بها، فإن عاريات شيلا لا يحيل عريهن على أي عري فني سابق. لم يكن العري هدفه. لذلك لم يرسم عارياته ليظهرن من خلال مهارته الفنية باعتبارهن عاريات فيتمكن من نيل اعجاب المتلقين. كانت صغيراته مصدر إلهام للشاب الذي سيموت على فوهة الفضيحة. كان ذلك الالهام هو بوصلته التي اهتدى من خلالها إلى مواقع إخفاق الرسم المدرسي فتحاشى المرور بها وصار يعمل في مناطق تتأوه فيها عناصر الرسم، وفي الأخص الخط، مثلما يتأوه الجسد حين تطبق عليه الشهوة.

صُدم المجتمع يومذاك برسوم شيلا واعتبرها شيطانية لأنها انتقلت بالجسد من كونه مصدر متعة بصرية إلى حالة شغب تنفتح بفوضاها على خفايا العلاقة الجنسية في جانبها “المحرّم”

نسمع الجسد يتأوّه لا نراه
© ايغون شيلا

في رسوم شيلا لا نرى الجسد بل نسمعه. يستغيث ويتأوه ويهمس ويناجي ويتعدد ويتوحش ويفترس وينفتح على قاموسه السري. ما من شيء يحيل على الوصف ولا يمكن استعادة الأشكال ذهنيا. لأن فكرة الجسد لا تقع في شكله. كما أن جمال الجسد لا يتحدد ضمن إطار مقاييس مظهره الخارجي. هكذا يكون الجسد هو الآخر مثل عريه قد استلهم وجوده من لعنة اختلافه لا من نعمة استسلامه. كان ذلك أشبه بالقرار الذي اتخذه رسام اكتشف الرسم في اللحظة التي اكتشف فيها الجسد فعمل على أن يخلص لهما كما لو أنهما السيئء نفسه. ميزة شيلا عن سواه من الرسامين عبر العصور أنه وضع الرسم بعد نفسه في الجسد الانثوي ولم يكن في ذهنه أن يكون محايدا في تصوير عري ذلك الجسد. لقد مثلت الانوثة أمامه باعتبارها قوة تدمير، فكان عليه أن يتخلى عن أساليب النظر التقليدية ليقول من خلال رسومه شيئا مختلفا. ليس من باب المصادفة أن يكون ذلك الشيء مزعجا.

ما فعله شيلا كان نوعا من الهتك لعالم كان يقع خلف حجب.  

اخترق شيلا سطح العري ليبحث عن مواقع شهوة الجسد العاري التي تتحكم بانفعالاته التي لا يمكن التنبؤ بمصائرها

هل كان شيلا رساما فضائحيا؟
© ايغون شيلا

لم يكن متوقعا ان يقف الشاب المتمرد في تاريخ الفن إلى جانب عمالقة من نوع فيلاسكيز أو أنغر أو رينوار باعتباره مُلهَما، فتتحول رسومه إلى مصدر إلهام لمئات الرسامين الذين يبحثون في الجسد الانثوي عن ضالة تتخطى الإثارة والإغواء والجمال الخارجي. شهوة تخترق المادة لتهزّ الروح بعصفها.   

لقد صُدم المجتمع يومذاك برسوم شيلا واعتبرها رسوما شيطانية لأن تلك الرسوم انتقلت بالجسد من كونه مصدر متعة بصرية إلى حالة شغب تنفتح بفوضاها على خفايا العلاقة الجنسية في جانبها “المحرّم”، وهي صفة تحتمل الكثير من التأويل التجريمي من وجهة نظر مجتمع بورجوازي متعال. ولولا الانفلونزا الاسبانية التي حصدت روحه لكان شيلا قد واجه أوقاتا عصيبة مضافة.    

برغم كل عواصف الاحتجاج التي واجهها، صمدتْ رسوم الفنّان الشاب. حتى أن الاكاديمية البريطانية أقامت قبل سنوات معرضا كبيرا لقصاصات مهملة كان شيلا قد رسم عليها تخطيطات أولية ولم يجد فيها ما يستحق العرض. اعتبر اكتشاف تلك التخطيطات حدثا عظيما بسبب الاهمية الاستثنائية التي حازها رسامها في تاريخ الفن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.